اسمه ومولده وأسرته:

هو محمد أختر بن محمد حسين حفظه الله وعافاه، ولد في سنة 1928م في ( برتابكر ) بالقسم الشمالي من الهند، وكانت أسرته ذات مكانة وقدر عظيم في بلدهم، وكان والده موظفا حكوميا، وكان له من الأولاد ابنه هذا بالإضافة إلى بنتين، وكان يحبه حباً شديداً، ولا يزال الشيخ كلما تذكر شفقة والده تظهر على محياه علامات التأثر الكبير.

نشأته :

ظهرت على الشيخ من عهد طفولته آثار المحبة للدين، ومما يشير إلى ذلك أنه يتذكر محبته لإمام المسجد الذي كان قريبا من بيت أبيه وكان رجلا صالحا يدعى الحافظ أبا البركات، فكانت أخت الشيخ أختر - التي كانت هي الأخرى طفلة صغيرة - تأخذه في حضنها إلى هذا الرجل الصالح ليدعو له، فيتذكر الشيخ أنه كان يحس بجمال المسجد ويشعر بأن إمامه شخص محبوب عند الله مما يشير إلى ارتباط قلبه بالله وشوقه إلى محبته من تلك الفترة من حياته.

وهكذا استمر كلما كبرت سنه يزداد أنسه بالصالحين ويبتهج برؤية العلماء والقراء وكل من تظهر عليه سمات الصلاح والتدين في ملابسه وشكله.

وكان -وهو لا يزال قبل البلوغ -يتوجه إلى مسجد مهجور بعيد عن المنازل ويخلو فيه بذكر الله ويغلب عليه الخشوع.

وكان على مسافة من المسجد عدد من البيوت التي يسكنها جمع من المسلمين، فكان الشيخ يكرر دعوتهم إلى الصلاة حتى وفقهم الله إلى المحافظة على الصلاة وصار المسجد عامرا يؤذن فيه وتقام الصلاة، فكان الناس يمازحونه ويسمونه شيخ المصلين.

وفي بعض الأحيان كان الشيخ يستيقظ في آخر الليل ويخرج خفية إلى المسجد يتهجد ويذكر الله إلى الفجر، وذات مرة علم به بعض أصدقاء والده فأخبر والده فوقف له في اليوم التالي وهو خارج وقال له : إنك ابني الوحيد وأخشى عليك من أن يؤذيك أحد، فلا تخرج في مثل هذا الوقت وتهجّد في البيت، فأطاع أباه.

وفي تلك الفترة أيضا كان الشيخ يستمع إلى مدرس القرآن الذي كان يعلمه وهو يترنم بأبيات مؤثرة باللغة الفارسية حول محبة الله سبحانه، كالأبيات التي يقول فيها ناظمها ما معناه : أن من أحب الله حبا حقيقيا تطهر قلبه بنار المحبة من الحسد والكبر والحرص على الدنيا، وأنا أناجي الله في الخلوات حيث لا يطلع على سر محبتي أحد سوى الله ولا يسمع آهاتي سواه، فكان الشيخ يقرؤها ويبكي، وقد أدى به إعجابه بتلك الأبيات إلى تعلم اللغة الفارسية.

دراسته :

بعد انتهاء الشيخ من مراحل الدراسة الأولية استأذن أباه في الذهاب إلى جامعة دار العلوم ، لتحصيل العلم الديني إلا أن أباه أمره بدراسة الطب المعتمد على الأعشاب ، ثم لينشغل بالعلوم الدينية بعد ذلك.

وقد حاول الشيخ الاعتذار لأنه لم يكن يطيب لقلبه الاشتغال بالعلوم الدنيوية لكن لم يكن له أمام إصرار الوالد غير مجاهدة نفسه على تقضية تلك السنوات.

وبعد مدة أصر عليه والده كي يذهب إلى مدينة (إله آباد) ليتعلم الطب في جامعة شهيرة بتدريس الطبّ، ففعل وأقام هناك عند عمته مستمرا على حاله السابقة من الاشتغال بذكر الله تعالى.

ومع أنه لم يكن يرغب حينها في الطب إلا أنه يدعو الآن لأبيه بالخير حيث أنه يشعر بفائدة عظيمة لاشتغاله بالطب حيث أنه يوجّه تلاميذه إلى أن يكونوا في حدود الاعتدال فلا يجهدوا نفوسهم في الأعمال الدعوية أو النوافل إلا بقدر ما تتحمله صحة الواحد منهم بحيث لا تتأثر نفسه بالإرهاق الذهني أو الجسدي أو يؤدي بها إلى الانطوائية والأمراض النفسية.

زواجه وذريته المباركة :

اختار الشيخ محمد أختر أن يتزوج امرأة من قرية (كوتله ) القريبة من ( أعظم كر )، لأنها كانت مشهورة في قريتها بصلاحها وتدينها بالرغم من أنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وقد كانت كثيرة التلاوة وكانت نعم المعين له موافقة له في كل حال ولم تضايقه أبداً، ولما رأت شدة محبته لشيخه عبد الغني الذي سيأتي ذكره قريبا أذنت له بطيب نفس في الذهاب إليه متى شاء، وحين هاجر شيخه عبد الغني سنة 1960م إلى كراتشي في باكستان هاجر الشيخ معه أراد أن يصطحب زوجته معه وابنهما الصغير محمد مظهر ولكنه لم يتمكن حتى مرت سنة كاملة، فبقيت تلك الفترة كلها صابرة.

وقد رزق منها أولاداً بقي منهم ابنه العالم الجليل النبيل الشيخ محمد مظهر المشرف على جامعة والده الشيخ أختر، ويعاونه أبناؤه الكرام العلماء: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وعبد الله، بارك الله فيهم جميعاً.

ومن اللطائف أنه لما توفيت زوجته قام حزيناً واعتنق ابنه الشيخ محمد مظهر وقبّل جبهته، ثم أمره أن يحضر جواز سفرها، فلما جاء به قطع منه صورتها وشقها وقال كانت جائزة للضرورة والآن لا يجوز إبقاؤها.

وذلك لأن الشيخ يرى حرمة التصوير الفوتوغرافي كغيره إذا تعلق بذوات الأرواح إلا للضرورة، وهو رأي كثيرين من أهل العلم وهو الأحوط كما لا يخفى.

ولا نغفل عن اعتبارنا أنه يوجد قول آخر لعدد كثير من العلماء بجواز التصوير الفوتوغرافي إذا لم يصور فيه شيء يحرم النظر إليه بشروط وضوابط يذكرونها.

اشتغاله بالطب :

برع الشيخ الطبيب في مهنته حتى بلغ مستوى عاليا فيها وحاز مكانة رفيعة وعمل في ثلاث مستشفيات، لكن نفسه المتلهفة على العلم الشرعي لم تدع له رغبة في الاستمرار في عمله، بل اشتدت رغبته في طلب الشيخ المصلح الذي يتلقى عنه العلم وتزكية النفس في آن واحد.

محبته للتهانوي :

وحين طالع الشيخ أختر وعظا للشيخ العلامة المصلح أشرف علي التهانوي بعنوان راحة القلوب أحبّه جدا وشعر بالتوافق معه وأرسل إليه أنه يريد أن يسترشد به ولكن جاءه الجواب بأن الشيخ مريض فاختر أي مصلح آخر.

مصيبته بفقد أبيه والشيخ التهانوي :

وبعد أيام بلغه خبر وفاة الشيخ التهانوي، وكانت صدمة عظيمة وكان يردد شعرا معناه إن البلبل صار في البستان، وأما البومة فبقيت في الصحراء تائهة.

وفي يوم تخرجه من الجامعة الطبية وحين وصوله إلى بيت عمته عرف بوفاة والده فحزن حزناً شديداً وتألم لذلك كثيراً.

لكنه صبر على المصيبتين الجليلتين، واستحضر أن هذا هو المصير لكل مخلوق، وأنه قضاء الله - سبحانه وتعالى - وقدره، وعليه أن يرضى به، وما أحسن أن نتذكر هنا قول النبي  « من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب » 1.

وقد روى عِكْرِمَة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لَمَّا حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ الله  صَغِيرَةٌ فَأَخَذَهَا رَسُولُ الله  فَضَمَّهَا إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَقَضَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله  فَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله  يَا أُمَّ أَيْمَنَ أَتَبْكِينَ وَرَسُولُ الله  عِنْدَكِ فَقَالَتْ مَا لِي لا أَبْكِي وَرَسُولُ الله  يَبْكِي فَقَالَ رَسُولُ الله  إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي وَلَكِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله  الْمُؤْمِنُ بِخَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ تُنْزَعُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ الله عَزَّ وَجَلّ، أخرجه النسائي في سننه والترمذي في الشمائل وأحمد وعبد بن حميد في مسنديهما، وفي أول رواية عبد: قال عكرمة كان ابن عباس يقول : احفظوا هذا الحديث 2.

1 - رواه البيهقي في شعب الإيمان 7/239 من طريق أبي بردة الكندي عن علقمة بن مرثد عن ابن سابط عن أبيه ، وقال الحافظ في الإصابة 3/3 في ترجمة سابط القرشي الجمحي : وروى بقي بن مخلد والباوردي وابن شاهين من طريق أبي بردة عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه عن النبي  قال، فذكر الحديث وقال وإسناده حسن لكن اختلف فيه على علقمة انتهى كلامه، قلت: ويشهد له حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله  يقول من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك ؟ قال ومن كان له فرط يا موفقة ! قالت فمن لم يكن له فرط من أمتك ؟ قال فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي ” رواه الترمذي ( كتاب الجنائز باب ما جاء في ثواب من قدم ولدا 1062 ) وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق وقد روى عنه غير واحد من الأئمة

2 - سنن النسائي (كتاب الجنائز - باب في البكاء على الميت 1843 )، الشمائل/153-154، مسند أحمد 1/297، المنتخب من مسند عبد بن حميد/204